مفاوضات لبنان وإسرائيل.. شروط واشنطن تعيد ملف حزب الله

تعود المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى الواجهة وسط تحركات أميركية تستهدف دفع مسار الترتيبات الأمنية على الحدود، بالتزامن مع ضغوط على الحكومة اللبنانية لتنفيذ ما يرتبط بحصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز قدرة المؤسسات الرسمية على ضبط الوضع الأمني والمالي.
وتشير معطيات متداولة في بيروت إلى أن جولة جديدة من المفاوضات برعاية أميركية قد تُعقد في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، مع ترجيح أن تركز المحادثات على الجوانب العسكرية والميدانية المرتبطة بتنفيذ «الإطار» الذي يجري التفاوض على آليات تطبيقه. وتفيد تقارير لبنانية بأن الموعد المقترح للجولة هو 20 تشرين الأول، من دون أن يعني ذلك أن جميع تفاصيلها حُسمت بصورة نهائية.
مفاوضات بطابع أمني
بحسب المعلومات المتداولة، تختلف الجولة المرتقبة عن الجولات السياسية السابقة من ناحية التركيز على الملفات الميدانية، ولا سيما آليات تثبيت الترتيبات الأمنية والانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما يضيف عاملاً سياسياً إلى حسابات الأطراف المعنية بمسار التفاوض. وتشير التقارير إلى أن النقاش قد يتناول الوقائع الميدانية والاحتكاكات على الأرض، إضافة إلى ما جرى تنفيذه في مراحل سابقة من الترتيبات الأمنية.
ماذا تريد واشنطن؟
برز ملف سلاح حزب الله بوصفه أحد المحاور الرئيسية في الموقف الأميركي المعلن خلال لقاءات رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في واشنطن.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن انتشار الجيش اللبناني في الجنوب يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي من دون إجراءات تؤدي إلى حصر السلاح بيد الدولة. وفي المقابل، شدد سلام على ضرورة تفعيل الإطار الثلاثي بما يقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، مع وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات من الجانبين.
وتظهر هذه المواقف اختلافاً في ترتيب الأولويات: فواشنطن تركز على خطوات لبنانية تتعلق بحصرية السلاح، بينما تسعى بيروت إلى ربط هذه الإجراءات بمسار متزامن يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل واستعادة السيادة على الأراضي اللبنانية.
الملف المالي في صلب الضغوط
ولا تقتصر الضغوط الأميركية على الجانب العسكري، إذ برز أيضاً ملف الشبكات المالية المرتبطة بحزب الله خلال لقاءات سلام في واشنطن، ولا سيما في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على كيانات وشخصيات مرتبطة بالحزب وإيران.
وتشير تقارير إلى أن واشنطن تدفع باتجاه اتخاذ إجراءات للحد من قدرة الشبكات المالية التابعة للحزب على العمل، بالتوازي مع مسار الإصلاحات المالية والمصرفية في لبنان. كما طُرح تعزيز الرقابة على التدفقات المالية لمنع استخدام النظام المصرفي والقنوات التجارية في تجاوز العقوبات.
لكن مكتب رئيس الحكومة اللبنانية أصدر توضيحاً شدد فيه على أن ما نُسب إلى سلام أو روبيو خارج البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين لا يعكس مضمون الاجتماع. وأكد أن موقف سلام ركز على مبدأي التبادلية والمرحلية، وعلى وضع جدول زمني لتنفيذ الالتزامات وآلية موثوقة للتحقق.
الجيش اللبناني أمام اختبار جديد
في موازاة المسار الدبلوماسي، يبرز دور الجيش اللبناني باعتباره الطرف الرسمي المعني بزيادة الانتشار وتعزيز سلطة الدولة في الجنوب.
وتتحدث تقارير محلية عن خطط لوجستية لتعزيز انتشار الجيش في مناطق جنوبية، في إطار الاستعداد للمرحلة المقبلة من الترتيبات الأمنية. إلا أن طبيعة هذه الخطوة وحجمها يرتبطان بما ستؤول إليه المفاوضات وبالترتيبات التي قد يتم الاتفاق عليها.
ويطرح ذلك تحدياً أمام الحكومة اللبنانية، إذ إن زيادة الانتشار العسكري لا تعني وحدها حسم ملف السلاح أو إنهاء جميع مصادر التوتر، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية داخلية مرتبطة بموقع حزب الله ودوره العسكري.
خلفية: ماذا يعني «الإطار»؟
تجري التحركات الحالية ضمن مسار أوسع للتفاوض بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يقوم على مبدأ تبادل الخطوات بين الطرفين.
وتسعى بيروت إلى أن يقترن حصر السلاح بيد الدولة بانسحاب إسرائيلي كامل، فيما تركز واشنطن على تنفيذ خطوات عملية مرتبطة بتعزيز سلطة الدولة اللبنانية ومنع وجود سلاح خارج مؤسساتها الرسمية.
وكانت لقاءات سلام في واشنطن قد أكدت تمسك الطرفين بمبدأي المرحلية والتبادلية، مع اختلاف في الأولويات والتوقيت. وبحسب الموقف اللبناني المعلن، فإن الهدف هو الوصول إلى نتائج ملموسة على الأرض تضمن استعادة السيادة اللبنانية، بينما تؤكد واشنطن دعمها لمسار تنفيذ الإطار الثلاثي باعتباره أساساً للتوصل إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
بين التفاوض والميدان
ويضع استئناف المفاوضات المحتمل لبنان أمام مسارين متداخلين: الأول دبلوماسي يتعلق بالتوصل إلى ترتيبات مع إسرائيل، والثاني داخلي يرتبط بقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها الأمنية والمالية.
وفي المقابل، يبقى نجاح أي تفاهم مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، خصوصاً في ملفات الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وحصرية السلاح، والرقابة على القنوات المالية.
وبذلك، لا تبدو الجولة المرتقبة مجرد نقاش حول ترتيبات حدودية، بل جزءاً من مسار أوسع لإعادة تنظيم الوضع الأمني والسياسي في جنوب لبنان، وسط تداخل المصالح اللبنانية والإسرائيلية والأميركية، وتعقيدات داخلية تجعل تنفيذ أي اتفاق أكثر حساسية من مجرد التوصل إليه.




